-
سلسلة القرار الدموي في إيران: خامنئي وميكنة "مذبحة الدولة"
لم يعد القمع في إيران مسألة تقديرات حقوقية أو اتهامات معارضة، بل دخل مرحلة التوثيق القضائي شبه الكامل. التحقيق الاستقصائي المطوّل الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" لا يكتفي بوصف ما جرى خلال انتفاضة يناير، بل يعيد تركيب سلسلة القرار داخل النظام الإيراني، من القمة إلى الميدان، كاشفًا أن ما حدث لم يكن انفلاتًا أمنيًا، بل عملية قتل منظّمة بأمر سيادي مباشر.
التحقيق، المبني على شهادات مسؤولين من داخل النظام، وأطباء، وممرضين، وعائلات ضحايا، ومقاطع فيديو جرى التحقق منها، يحوّل أحداث يناير إلى ما يمكن توصيفه بدقة على أنه "مذبحة دولة" مكتملة الأركان.
قرار القتل: حين يتحول المجلس الأعلى للأمن إلى غرفة إعدام
وفق ما نقلته الصحيفة عن مصادر إيرانية مطّلعة، أصدر علي خامنئي، بصفته الولي الفقيه وصاحب القرار الأعلى، توجيهًا صريحًا إلى المجلس الأعلى للأمن القومي في 9 يناير يقضي بـ قمع الاحتجاجات "بأي وسيلة ضرورية". في لغة الأنظمة الشمولية، لا تحمل هذه العبارة أي غموض: إنها تفويض مفتوح باستخدام القوة المميتة.
ما تلا القرار يؤكد طبيعته الإجرامية. انتشرت قوات حرس النظام الإيراني والأجهزة الأمنية بأوامر واضحة بـ إطلاق النار بقصد القتل، لا التفريق ولا الردع. هنا، لم يعد الأمن أداة لضبط الشارع، بل سلاحًا لإفناءه.
خرائط الدم: إطلاق نار مباشر في قلب المدن
توثّق "نيويورك تايمز" إطلاق النار الحي على المتظاهرين في 19 مدينة، إضافة إلى ستة أحياء رئيسية في طهران. التحقيق يستند إلى مقابلات مع 24 مواطنًا من طهران، وأصفهان، وشيراز، ورشت، والأهواز، فضلًا عن تسجيلات مصورة تُظهر استهدافًا مباشرًا للصدور والرؤوس.
توصيف الباحثة في منظمة العفو الدولية رها بحريني لما جرى ليس توصيفًا انفعاليًا، بل توصيفًا قانونيًا دقيقًا حين تقول: "هذه ليست مجرد حملة قمع، بل مذبحة دولة منظمة". الفارق هنا جوهري، لأنه ينقل المسؤولية من مستوى الانتهاك إلى مستوى الجريمة الممنهجة.
المستشفيات تحت النار: من مرافق علاج إلى ساحات قتال
أحد أخطر ما يكشفه التحقيق هو تحويل النظام للمستشفيات إلى مناطق حرب. شهادات الأطباء والممرضين ترسم صورة لانهيار أخلاقي ومهني فرضته الأجهزة الأمنية بالقوة.
في مستشفى شهداء تجريش، يؤكد طبيب أن الطواقم كانت تستقبل في المتوسط 70 مصابًا بالرصاص كل ساعة خلال يومين فقط، كثير منهم لفظوا أنفاسهم الأخيرة فور الوصول. في مشاهد أقرب إلى ميادين القتال، اقتحمت القوات الأمنية المستشفيات لاعتقال الجرحى، ما دفع الأطباء إلى إنشاء "عيادات سرية" خارج المدن.
أما مستشفى فارابي، فقد وثّق استقبال مئات حالات العمى الناتجة عن طلقات الخردق والرصاص الحي، في ما يبدو سياسة متعمدة لإحداث إعاقات دائمة، لا مجرد تفريق احتجاجات.
كهريزك: الجريمة التي لا تختفي
يكشف التقرير أن مشرحة كهريزك امتلأت بالجثث خلال أيام قليلة، مع توثيق نقل أكثر من 300 جثة إلى هذا المركز وحده. كهريزك، الاسم الذي ارتبط تاريخيًا بالتعذيب والموت، يعود هنا كرمز لاستمرارية ثقافة الإفلات من العقاب داخل النظام.
ورغم الأدلة البصرية والوثائقية، يواصل إعلام النظام روايته المتكرّرة، محاولًا إلصاق الجرائم بما يسميه "جماعات إرهابية"، في استراتيجية كلاسيكية لتجريد الضحايا من صفتهم المدنية وتبرير قتلهم.
فشل القمع: الجنازات تتحول إلى اتهام علني
المفارقة الأهم التي يخلص إليها التحقيق هي أن القمع فشل سياسيًا. فبدل إخماد الغضب، تحولت جنازات الضحايا إلى مظاهرات حاشدة، رفعت فيها صور القتلى وهتفت بوضوح: "الموت لخامنئي". هذا الشعار، في سياقه، ليس انفعالًا، بل تحديد مباشر لمسؤولية القيادة العليا.
خلاصة استراتيجية: نظام يحكم بالرصاص لأنه فقد الشرعية
ما تكشفه "نيويورك تايمز" يتجاوز فضح جريمة بعينها. نحن أمام نظام لم يعد يملك من أدوات الحكم سوى العنف العاري، ولم يعد يخشى انكشافه الدولي لأنه يدرك أن شرعيته الداخلية قد انهارت بالفعل. حين تصدر أوامر القتل من القمة، وحين تُحاصر المستشفيات، وحين تُملأ المشارح بالجثث، فإن الدولة تكون قد أعلنت، عمليًا، حربًا على مجتمعها.
في هذا المعنى، لا تمثل أحداث يناير ذروة القمع، بل علامة على مرحلة أفول، حيث لا يبقى في يد السلطة سوى الرصاص، بينما ينتقل الاتهام، للمرة الأولى بهذا الوضوح، من الهامش إلى اسم الحاكم نفسه.
ليفانت : د. سامي خاطر
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

